
لا تعتبر الأسواق المالية العربية في منأى عن آثار العولمة، إلا أن بعض الباحثين يرون أن هذه الآثار سواء إيجابية أم سلبية كانت قد لا تكون كبيرة في المدى القصير. والسبب في ذلك، حسب رأيهم، هو تدني حجم الاستثمارات الأجنبية
في الأسواق المالية العربية التي لم تكن مصدر جذب بصناديق الاستثمار العالمية، وذلك كونها أسواق حديثة نسبيا، كما وأن بعضها (الأسواق المالية لدول الخليج مثلا) لا تسمح للمستثمرين الأجانب بشراء الأسهم والسندات فيها. إضافة إلى أنها تفتقر إلى التنوع والعمق المطلوبين مما يؤثر على العائد على الاستثمار في تلك الأسواق. وما يؤكد عدم جاذبية الأسواق المالية العربية للمستثمر الأجنبي هو ضآلة حجم تدفقات المحافظ الأجنبية الذي بلغ حوالي 2.5 مليار دولار عام 1997، أي ما نسبته 18 % من مجموع رأس المال الوافد إلى الوطن العربي.
هذا بالإضافة إلى أسواق الدول العربية قد حصلت على الأقل على 5% من مجموع ما حصلت عليه الأسواق الناشئة في العالم ككل في نفس السنة، وقد كان نصيب مصر مثلا من هذه التدفقات 1 مليار دولار، والمغرب 800 مليون دولار، فيما كانت حصة السعودية 20 مليار دولار أما الباقي فكان من نصيب الأردن وعمان والبحرين وتونس. ومن هذا المنطلق فإن الأسواق المالية العربية لم تتأثر بالأزمات المالية الدولية التي حدثت في المكسيك نهاية 1994، والأزمة المالية في جنوب شرق آسيا في عام 1997 والتي مازالت آثارها ممتدة حتى اليوم في الأسواق الناشئة والدول المتقدمة. أما على مستوى المدى الطويل فإن المؤشرات تشير بأن يكون هناك تأثر لأسواق المالية العربية بظواهر العولمة، وذلك بسبب انفتاح هذه الأسواق على الأسواق العالمية، ودخول أغلبية الدول العربية في الاتفاقات الدولية مثل : Wto, gatt, oecd وحتى يتسنى لهذه الأسواق مواجهة آثار العولمة ومحاولة الاستفادة من إيجابياتها والحد والتقليل من سلبياتها،فإنه أصبح إلزاما عليها القيام بمايلي:
1ـ تطوير آدائها الاقتصادي بما يؤهلها لاستقبال الاستثمارات الأجنبية التي تعود عليها بآثار إيجابية.
2 ـ تنويع وتعميق فرص الاستثمار في الأسواق المالية العربية من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية وتجنبها السيطرة والتحكم في مجالس إدارتها.
3ـ الاستفادة من الثروة المعلوماتية الحديثة.
4- مجابهة التحديات التي تواجه الدول العربية والمديونية الخارجية، التقدم التكنولوجي الهائل في الصناعة المصرفية.
ومن خلال هذا التحليل فإنه يمكن القول أنه الأسواق المالية العربية المستعدة لمواجهة تحديات سياسة الانفتاح أن تنظر إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالخدمات المالية على أنها فرصة أكثر من كونها تهديد. وهذا يعني أن الأسواق المالية وكذا المصارف العربية مدعوة لتطوير قدراتها لمواجهة المنافسة الخارجية المتزايدة. ولا شك أن استمرار تحرر الأسواق المالية سيؤدي إلى فوائد هامة، وذلك من خلال تعزيز المنافسة في الأسواق المحلية والتي تؤدي إلى تحسين الأداء، تخفيض التكاليف ، تقديم الخدمات المالية والمصرفية بجودة أعلى، بالإضافة إلى توفير مجموعة متنوعة من الخدمات المالية. ومن هنا فإن الأسواق المالية والمصارف العربية، والتي تكون أكثر حرصا على متطلبات عملاتها، تستطيع الاستفادة بشكل أكبر من نقل التكنولوجيا والمهارات المتوفرة في المصارف الأجنبية، وبالتالي الدخول بحري أكبر إلى أسواق جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية في حالة ما إذا كانت لديها خدمات منافس تستطيع تقديمها في هذه الأسواق.
إلا أن القلق الرئيسي المرتبط بتحرير الخدمات المالية يتمثل في الادعاء القائل بأن المؤسسات المؤسسات المالية الأجنبية هي أكثر كفاءة من المؤسسات المالية العربية وبالتالي تستطيع السيطرة تدريجيا على القطاعات المالية والمصرفية المحلية. ولكن هذا القلق ليس صحيحا دائما فالمؤسسات المالية الأجنبية قد تتميز في بعض الخدمات المصرفية الاستثمارية وفي التكنولوجيا وفي الصيارفة الخاصة، ولكن معرفة المؤسسات العربية لأسواقها المحلية وعلاقتها القوية مع عملائها سيوفر لها ميزة تنافسية كبيرة.
هذا بالإضافة إلى أن منظمة التجارة العالمية تسمح بتطبيق التحرير المالي على مراحل إذا ما احتاجت المؤسسات المالية إلى مزيد من الوقت لتكييف أوضاعها مع المنافسة الجديدة.
