تواجه مهنة المحاسبة والمراجعة فى مصر مرحلة فارقة تعيد تشكيل أدوارها التقليدية، فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها الاقتصاد العالمى، خاصة مع صعود الاقتصاد الرقمى وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا والبيانات.
وبحسب متعاملين في القطاع، لم يعد الحديث مقتصرًا على تطوير أدوات الفحص والمراجعة، بل امتد ليشمل إعادة تعريف العلاقة بين المنظومة الضريبية، والتكنولوجيا المالية، ومعايير الاستدامة، بما يفرض تحديات وفرصًا جديدة أمام الشركات ومكاتب المحاسبة على حد سواء.
قال شريف شوقي، شريك ورئيس الخدمات الضريبية بشركة PwC مصر، إن التحدي الرئيسي في فرض الضرائب على شركات التكنولوجيا المالية والكيانات الرقمية في السوق المصري لا يرتبط بغياب النصوص التشريعية بقدر ما يتعلق بآليات التطبيق العملي، موضحًا أن الإطار القانوني القائم يتماشى في كثير من جوانبه مع المعايير والاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها الدولة.
وأوضح لـ”البورصة”، أن القانون رقم 30 لسنة 2023 شهد توسعًا ملحوظًا في تعريف «المنشأة الدائمة»، وهو ما يفرض تحديات جديدة أمام الشركات التي تعتمد على نماذج أعمال رقمية ولا تمتلك وجودًا ماديًا ثابتًا داخل البلاد، لا سيما الشركات العاملة عبر الحوسبة السحابية أو المنصات الإلكترونية العابرة للحدود.
أضاف شوقي، أن هذا التطور التشريعي يعكس إدراكًا لطبيعة الاقتصاد الرقمي، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات عملية حول كيفية تحديد نطاق الالتزام الضريبي للشركات التي تدير أنشطتها من خارج مصر.
وأشار إلى أن الشركات التي لا ينطبق عليها مفهوم التواجد المادي تخضع غالبًا لآليات محاسبة مختلفة، من بينها الخصم من المنبع أو التوريد المباشر للضريبة على المعاملات، مؤكدًا أن هذه الآليات تغطي شريحة واسعة من الأنشطة الرقمية.
ولفت إلى أن عدد الشركات التكنولوجية الخاضعة للمحاسبة التقليدية لا يزال محدودًا، باستثناء بعض الكيانات العاملة في المشتقات المالية أو التي لديها أنشطة تشغيلية واضحة داخل السوق.
وضرب شوقي أمثلة بشركات عالمية مثل “Uber” و”Amazon”، موضحًا أن مثل هذه الكيانات قد لا تمتلك مقار تشغيلية ثابتة داخل مصر، ما يخلق صعوبات في تحديد الالتزام الضريبي، خاصة في ظل خضوعها للضرائب في دول التأسيس ووجود اتفاقيات ضريبية دولية تنظم هذه العلاقات.
وأكد أن الحل يكمن في تطوير آليات التطبيق وتحديث الأدوات الرقابية بما يتواكب مع طبيعة الاقتصاد الرقمي سريع التطور.
ولفت إلى أن وزارة المالية ومصلحة الضرائب أنشأتا وحدة متخصصة للتجارة الإلكترونية، إلى جانب التوسع في ميكنة الإجراءات والتحول الرقمي الكامل في منظومة المحاسبة الضريبية، بما يعزز الحوكمة ويرفع معدلات الامتثال الطوعي للشركات الرقمية.
وفيما يتعلق بالشركات الناشئة، أكد شوقي أن التشريعات الحالية تمنح هذه الكيانات مساحة مناسبة للنمو دون أعباء ضريبية خانقة، مشيرًا إلى أن قانون المشروعات الصغيرة والمتوسطة رقم 152 لسنة 2020 أقر نظامًا ضريبيًا مبسطًا للشركات التي يتراوح حجم أعمالها بين 10 و20 مليون جنيه.
وأوضح أن هذه الشركات لا تخضع لمحاسبة ضريبية كاملة، بل تُفرض عليها ضريبة قطعية مخفضة، بما يقلل الأعباء الإدارية والمالية في مراحل التأسيس الأولى.
وأضاف أن القانون حدد سعر ضريبة 1% على رقم الأعمال حتى 10 ملايين جنيه، و1.5% حتى 20 أو 25 مليون جنيه، وهو ما يشجع الشركات الناشئة على التسجيل والانضمام للمنظومة الرسمية دون أن يمثل ذلك عائقًا أمام توسعها.
وأكد أن هذا النهج يعكس توجهًا حكوميًا داعمًا لريادة الأعمال، خاصة في القطاعات التكنولوجية والرقمية.
وشدد شوقي على أن الاستقرار الضريبي يمثل عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمار الأجنبي، موضحًا أن المستثمر الخارجي يبحث في المقام الأول عن وضوح الرؤية وعدم التعرض لمفاجآت تشريعية.
حشيش: «بلوك تشين» تؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والدقة فى تسجيل المعاملات
وأوضح طارق حشيش، الشريك التنفيذي بـ “RSM Egypt محاسبون قانونيون”، أن الذكاء الاصطناعي وتقنية “بلوك تشين” ليسا تهديدًا للمهنة، بل هما أداة إعادة تعريف لدور المحاسب من مسجل للعمليات إلى شريك استراتيجي.
وتابع: “الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تحليل آلاف القيود والمعاملات في ثوانٍ معدودة، لاكتشاف الأنماط غير العادية أو المخالفات المحتملة، وهو ما كان يستغرق أيامًا بل وشهورًا في السابق”.
أضاف حشيش لـ”البورصة”، أن هذه القفزة التكنولوجية تطلق سراح وقت المراجع الثمين، ليتم توجيهه من المراجعة الروتينية المطولة نحو عمليات التحليل العميق، والتخطيط الاستراتيجي، ودراسة المخاطر المستقبلية، مما يضفي قيمة أعلى على العملية التدقيقية بكاملها.
كما تطرق حشيش، إلى الدور الثوري لتقنية “بلوك تشين”، واصفًا إياها بـ “أداة العصر للتوثيق والتحقق”، لافتاً إلى أن التقنية ميزة التدقيق فائق الدقة، فهي قاعدة بيانات لامركزية، لحظية، وبياناتها غير قابلة للتعديل أو التلاعب.. و هذا يضع أساسًا من الشفافية المطلقة يقلل من هامش الخطأ البشري إلى حد كبير، ويغير مفهومنا التقليدي لسجلات المعاملات.
ولم يغفل حشيش عن التحدي الأبرز الذي تواجهه هذه التقنية، وهو إشكالية إخفاء الهوية في بعض الأنظمة، مما قد يستدعي تطوير أطر رقابية جديدة تواكب هذه التكنولوجيا دون أن تعيق فوائدها.
وفي رد على تخوفات البعض من أن تحل الآلة محل المحاسب، أجاب حشيش أن الذكاء الاصطناعي بحد ذاته لن يحل محل المحاسب؛ ولكن الذي سيجد نفسه خارج المنافسة هو المحاسب التقليدي الذي يقاوم التطور، بينما المحاسب الذي يجيد استخدام هذه الأدوات وتوظيفها في تحليل البيانات واتخاذ القرارات سيكون هو الأقدر على قيادة المستقبل.
راشد: معايير “IFRS S1″ و”S2” تؤسس لإفصاح متكامل يحد من «الغسيل الأخضر»
وقال هانى راشد الشريك التنفيذى لمكتب راشد وبدر PKF للاستشارات المالية والضريبية، إن مهنة المحاسبة والمراجعة تشهد تحولًا جذريًا فى العصر الحديث، مدفوعة بثلاثة محركات رئيسة تتمثل فى الاستدامة والشفافية والتحول الرقمى، مشيرًا إلى أن دور المحاسب لم يعد يقتصر على إعداد القوائم المالية التقليدية أو مراجعة البيانات التاريخية، بل امتد ليشمل تحليل والإفصاح عن التأثيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية لأنشطة الشركات.
وأضاف لـ”البورصة”، أن هذه التحولات جعلت من المحاسب عنصرًا فاعلًا فى منظومة اتخاذ القرار الاستراتيجى داخل المؤسسات، و بات يقدم معلومات متكاملة تساعد الإدارة والمستثمرين على تقييم الأداء المستدام إلى جانب النتائج المالية، وهو ما يعكس القيمة الحقيقية للشركات على المدى الطويل.
وأوضح راشد، أن صدور معايير الإفصاح عن الاستدامة من مجلس معايير الاستدامة الدولية التابع لمؤسسة المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، وعلى رأسها المعياران IFRS S1 وIFRS S2، يمثل نقطة تحول فى مسار المهنة عالميًا، حيث تؤسس هذه المعايير لنموذج إفصاح متكامل يجمع بين البيانات المالية وغير المالية فى إطار واحد يعزز مستويات الشفافية ويزيد من ثقة المستثمرين.
وأشار راشد إلى أن هذه المعايير تستهدف الحد من ممارسات “الغسيل الأخضر”، من خلال فرض متطلبات واضحة وقابلة للقياس للإفصاح عن الاستدامة، لافتًا إلى أنها لم تعد خيارًا طوعيًا فى العديد من الأسواق، بل أصبحت التزامًا مفروضًا على الشركات الكبرى والمؤسسات المالية، وهو ما يدفع مكاتب المحاسبة إلى تطوير أدوات جديدة للقياس والتحليل والمراجعة.
وتوقع أن تشهد السوق المصرية خلال الفترة المقبلة تطبيقًا تدريجيًا لخدمات التأكيد والمراجعة على تقارير الاستدامة، معتبرًا أن هذه الخطوة ستمثل نقلة نوعية فى بيئة الإفصاح والحوكمة داخل الشركات، كما ستفتح مجالات جديدة لنمو مكاتب المحاسبة من خلال تقديم خدمات متخصصة فى مراجعة الإفصاحات المستدامة.
وأكد راشد، أن دخول هذا النوع من الخدمات إلى السوق يتطلب استعدادًا مهنيًا كبيرًا، سواء من حيث تأهيل الكوادر البشرية أو تطوير الأدوات الفنية، مشددًا على أهمية تدريب المحاسبين والمراجعين على آليات القياس غير المالى، وأساليب تقييم المخاطر المناخية والاجتماعية، إلى جانب الإلمام الكامل بمتطلبات معايير الاستدامة الدولية.
وأضاف أن المكاتب التى تمتلك شراكات دولية مع مؤسسات مهنية فى أوروبا أو غيرها ستكون فى موقع متقدم للاستفادة من الخبرات المتراكمة فى هذه الأسواق، خاصة فى المراحل الأولى من تطبيق خدمات مراجعة الاستدامة، وهو ما يسهم فى نقل أفضل الممارسات العالمية إلى السوق المحلية.
وأشار إلى أن هذا التكامل بين الخبرات الدولية والمعرفة المحلية يمثل عنصرًا حاسمًا فى بناء منظومة قوية وموثوقة للتقارير المستدامة فى مصر، بما يعزز من تنافسية الشركات المصرية وقدرتها على جذب الاستثمارات.
