
نتعرض في هذا المقام إلى أهمية النظرية والحاجة إليها بشكل عام وفي المحاسبة بشكل خاص ، وما هي وظائف النظرية ، وما الدور المتوقع أن تقوم به في مجال المحاسبة ، وأخيراً ما هي عناصر ومكونات النظرية .
من المعلوم أن الإطار الفكري المحاسبي في الوقت الحالي يقوم على مجموعة من الفروض والمفاهيم والمبادئ التي تحكم عمليات القياس والتسجيل والتلخيص والتوصيل ، ومن أمثلة ذلك “مفهوم الوحدة المحاسبية ، فرض وحدة القياس النقدي ، مبدأ الاستمرار ، مبدأ التكلفة ، مفهوم التحقق ، مبدأ الثبات ، سياسة الحيطة والحذر ، قاعدة التكلفة أو السوق أيهما أقل ، أساس الاستحقاق ، الأساس النقدي ، الأهمية النسبية ، مبدأ مقابلة الإيرادات بالمصروفات ، فرض الدورية ، نظام القيد المزدوج ، فرض ثبات القوة الشرائية للنقود ، مبدأ الموضوعية .
ويلاحظ على ما سبق اختلاف المسميات المعطاة لهذه المكونات (فرض ، مبدأ ، مفهوم ، قاعدة ، سياسة ، معيار.. الخ ) ، والحقيقة أنه ليس هناك مسمى واحد متفق عليه بين المحاسبين لأي من الأفكار السابقة ، فمثلاً القيد المزدوج يطلق عليه مبدأ أو نظرية أو طريقة ، كما أن هناك اختلافات تحديد المقصود من بعض المفاهيم ، فمثلاً مفهوم الاستمرارية يعرفه البعض على أن الوحدة المحاسبية سوف تبقى في مزاولة نشاطها إلى ما لا نهاية ، في حين يرى البعض أن المقصود به هو أن حياة المنشأة أطول من حياة أي أصل تمتلكه المنشأة ، وهناك تفسير ثالث وهو استمرار نمط الملكية القائم لرأس المال أو التنظيم الإداري والشكل القانوني للمنشأة .
كما أن هناك اتفاق بين المحاسبين على إعداد تقارير دورية ولكنهم يختلفون حول الفترة المحاسبية ، وكذلك مواعيد التقارير المرحلية ، كذلك هناك من يرى أن الدورية تتطلب الاعتراف بالمقدمات والمستحقات في حين نجد هناك منشآت تعد تقاريرها على الأساس النقدي أو على مزيج من أساس الاستحقاق والأساس النقدي ، كذلك هناك العديد من المفاهيم ضمن الإطار الفكري الحالي للمحاسبة غير محددة المعنى وقد لا تعدو كونها في وضعها الحالي مجرد بديهيات ومن أمثلتها (الأهمية النسبية ، الثبات ، الإفصاح ، تغليب الجوهر على الشكل”
كذلك نلاحظ أن هناك تعارضاً بين سياسة الحيطة والحذر وبين استخدام التكلفة كأساس لتقويم الأصول الثابتة ، فطبقاً لمبدأ الاستمرارية تظهر الأصول الثابتة على أساس التكلفة والتي قد تزيد عن قيمتها البيعية خاصة بالنسبة للأصول المتخصصة ، وهو يتعارض مع مبدأ الحيطة والحذر ، كما أن هناك عدم اتساق منطقي بين فرض ثبات القوة الشرائية للنقود وبين فائدة المعلومات المحاسبية مما يؤدي إلى فقدان الثقة في جدوى وفاعلية القوائم المالية .
ومن ناحية أخرى نجد أن من أخطر الانتقادات التي وجهت للمحاسبة هو عدم توفر معالجات موحدة للكثير من الأحداث المحاسبية المتشابهة ، ومن أمثلة ذلك تعدد المعالجات للمخزون السلعي كسياسة الوارد أولاً صادر أولاً ، الوارد أخيراً صادر أولاً ، المتوسط المرجح .
وفي مجال الإيرادات هل يتبع أساس الإنتاج ، أساس البيع ، أساس التحصيل ، وفي مجال الربح هل يتبع أساس الربح الشامل ، أساس ربح النشاط الجاري ، الربح بعد خصم الضرائب ، والربح بعد خصم الفوائد .
وفي مجال الاهلاكات هناك طرق متعددة كطريقة القسط الثابت ، المتناقص ، مجموع أرقام السنين ، طريقة النفاذ ..الخ
كذلك هناك مجالات متعددة أمام المحاسبة فيما يتعلق بمستوى التجميع أو التفصيل للمعلومات التي يتم الإفصاح عنها في التقارير المالية ، واختلاف طرق التبويب والعرض وتجديد المعلومات التي يجب التقرير عنها في صلب القوائم المالية .
ومن نواحي القصور الأخرى في الإطار الفكري الحالي أنه غير مكتمل بمعنى أنه لا يقدم إجابات قاطعة بالنسبة للكثير من المشكلات التي تواجه المحاسب ، مثلاً لا نجد في الإطار الفكري الحالي إجابات محددة حول بعض التساؤلات :-
• مشكلة التغير في الأسعار .
• قياس العمليات غير الملموسة (الأصول المعنوية)
• قياس التكلفة الاجتماعية والعائد الاجتماعي
وحول ما سبق يلاحظ على الإطار المحاسبي الحالي ما يلي :-
• يفتقر إلى الترابط بين مكوناته وعدم توفر معالجات موحدة لكثير من الأحداث المحاسبية المتشابهة .
• تباين الممارسات المحاسبية بالنسبة للطرق التي يستخدمها المحاسب بالإضافة إلى تباين أسس القياس والتقويم .
• لا يوجد أساس علمي يمكن الاعتماد عليه في مجال المفاضلة بين البدائل ، وإن إعداد القوائم المالية يعتمد كثيراً على الاجتهاد الشخصي ، ولعل ذلك من أحد الأسباب التي وجهت للمحاسب بالتقصير أو الوقوع تحت تأثير الإدارة أو تقديم تقارير غير موضوعية .
• إن الهجوم على الإطار الفكري الحالي قد أثير من داخل المهنة نفسها بنفس الدرجة التي أثير بها من المجتمع المالي بصفة عامة .
أمام كل ما سبق تظهر الحاجة إلى وجود نظرية محاسبية تتمثل في إطار فكري متسق ومتكامل تأخذ في الاعتبار أوجه القصور والانتقادات سالفة الذكر ، والحقيقة أن معظم المفاهيم والإجراءات التي تكون الإطار الفكري الحالي إنما تعكس اهتماماً بالنواحي الفنية والإجرائية الخاصة بالممارسات ، فهي أقرب إلى القواعد العرفية أو التقاليد أو الاصطلاحات منها إلى المبادئ العلمية .
إن مهنة المحاسبة على هذا النحو تعتبر في وضع متدن بالمقارنة بالمهن الأخرى كالطب والهندسة والمحاماة ، فعلى سبيل المثال هناك مبادئ تحكم نشاط الطبيب مستمدة بصورة مستقلة عن الممارسة العملية اعتماداً على فروع معرفة أخرى كالفيزياء ، الإحصاء ، الكيمياء وبناءً عليه فليس هناك أكثر من مسمى واحد لمرض معين ، وإذا ما قارنا ذلك بإمكانية إعداد القوائم المالية المختلفة لنفس المنشأة عن نفس الفترة ، أو إعطاء مسمى الاستهلاك لكافة طرق احتساب الاستهلاك للأصول الثابتة على الفترات المختلفة يتبين أوجه الاختلاف بين ما تتميز به العلوم الأخرى عن علم المحاسبة .
وهكذا يرى البعض أن المحاسبة بوضعها الحالي هي أقرب ما تكون إلى الفن منها إلى العلم وأن خصائص العلم لا يمكن أن تتوفر فيها ، بمعنى أنه ليس من المتوقع أن يكون هناك قوانين محاسبية ثابتة وصحيحة في جميع الظروف والأوقات كما هو الحال في العلوم البحتة أو الطبيعية ، ويبرر أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بأن المحاسبة تتعامل مع ظواهر اقتصادية واجتماعية هي نتاج السلوك الانساني بخلاف الحال في العلوم الطبيعية التي تتعامل مع ظواهر طبيعية أكثر قابلية للتحديد والقياس والتنبؤ ، وبالتالي فهم يرون بأن هناك حاجة ماسة إلى نظرية المحاسبة يمكن الاعتماد عليها في توجيه الجوانب التطبيقية ، وأن الوضع الحالي للمحاسبة قاصر على مجموعة من القواعد الحكمية والاصطلاحات التي يصعب الدفاع عنها على أساس منطقي .
ومن ناحية أخرى هناك من يرى ان القواعد الاصطلاحية الموجودة لا تعيب المحاسبة، وان هناك حاجة إلى وجودها مع ضرورة وجود تحديد واضح لمجال استخدام كل منها ، فالقواعد العرفية (الاصطلاحية) والمبادئ ضرورية لكل علم ، فهي أداة لتنظيم السلوك في مجال معين حتى لا يترك المجال للاختيار تجنباً للفوضى والارتباك ، ولكن تجدر الإشارة أيضا إلى أن درجة تقدم أي حقل من حقول المعرفة تتناسب عكسيا مع درجة اعتماده على القواعد العرفية، فكلما زادت هذه القواعد العرفية في مهنة معينة، كلما ازداد مجال التدخل من جانب المهمتين بهذه المهنة كالجمعيات المهنية او الجهات الحكومية بفرض تنميط الممارسات العملية وفرض اختيارات محددة يلتزم بها الممارسون.
